كيف عبرت “توشيبا” عن أزمة شركات التكنولوجيا في اليابان؟


مباشر- محمد الخولي: لم يستغرق عملاق التكنولوجيا “توشيبا” سوى أقل قليلًا من 10 سنوات ليسقط سقوطًا أخيرًا ومدويًا، لتعبر أزمة الشركة اليابانية التي شطبت من بورصة طوكيو بعد 74 عامًا كاملة قضتها في أسواق المال، عن أزمة كبيرة يعيشها اقتصاد كان جنة التكنولوجيا في العالم يومًا ما.
الشركة التي لم يخلو أي منزل في العالم في وقت من الأوقات من منتجاتها، دخلت حلقة من المشكلات والتلاعبات المالية والمحاسبية، تحولت بعدها إلى “شركة خاصة” بعد إعلان نتائج أعمالها السنوية واكتشاف تحايل الشركة لتضخيم أرباحها بقمية 1.25 مليار دولار، في عملية كررتها الإدارة طوال 7 سنوات متتالية حتى عام 2015.
ماذا حدث؟
وبعيدًا عن التلاعب والاحتيال، كان من المفترض أن تتولى الشركة اليابانية إنشاء مفاعل نووي في الولايات المتحدة لصالح شركة أخرى أمريكية، لكن الأخيرة أعلنت إفلاسها لتخسر “توشيبا” 6 مليارات دولار. بعدها في عام 2021 تواطأت الشركة مع وزارة التجارة اليابانية لدفع المستثمرين الأجانب لصالح “المحليين” ما سبب أزمة في سوق الأسهم اليابانية.
الأزمات تكررت واحدة تلو الأخرى، حتى قرر مجلس الإدارة بيع الشركة، لتتحول “توشيبا” من الملكية العامة إلى شركة خاصة غير مدرجة في البورصة. وفي يونيو 2022 تلقت الشركة بالفعل عروضًا للشراء، وفي مطلع العام الجاري 2023 استحوذت مجموعة من المستثمرين اليابانيين بقيادة شركة الاستثمار اليابانية المدعومة من الدولة (JIC) على توسيبا مقابل 14 مليار دولار.
مع إتمام الصفقة خلال الأيام الماضية، شطبت “توشيبا” من بورصة طوكيو لتنهي مشوار استمر 74 عامًا في سوق الأسهم اليابانية.
لكن لا يمكن النظر إلى أزمة “توشيبا” بعيدًا عن أزمة اليابان نفسها، كيف؟
اقتصاد اليابان
في أعقاب سبتمبر 2008 أو “الأزمة المالية العالمية” تعاني اليابان من تبعات سلبية على الاقتصاد أهمها انخفاض إنفاق المستهلكين وارتفاع قيمة الين، ما يؤدي لتراجع الصادرات وانخفاض الطلب على السيارات وارتفاع معدل البطالة، لتنزلق البلاد رسميًا في منحنى “الركود”.
بحسب أرقام البنك الدولي، نما الاقتصاد الياباني بالسالب في 2009، محققًا معدل (-5.70%)، ثم تعافى بشكل مضطرد إلى أن وصل إلى النمو بالسالب مجددًا وقت أزمة فيروس كورونا (كوفيد- 19) 2020، إلى (-4.30%).
شركات التكنولوجيا في اليابان لم تكن بعيدة عن المشهد، بل أنها بحسب العديد من المحللين الاقتصاديين، هي أحد أسباب الأزمة بشكل كبير، خاصة أنه أحد أهم القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد الياباني. فبالإضافة إلى “توشيبا” اختفت منتجات شركات أخرى عملاقة مثل “سوني” و”باناسونيك” و”شارب”، بعد أن كانت الوجهة الأولى لأي مشترٍ للأجهزة الإلكترونية أو المنزلية حول العالم.
الثورة الرقمية
وفقًا للخبير الاقتصادي، جيرهاد فاسول المقيم في طوكيو في تصريحاته لـ”BBC” فأن عمالقة اليابان لم يواكبوا الثورة الرقمية. إذ يقول إن الشركات اليابانية بنت مجدها على صناعة آلات إلكترونية معقدة مثل أجهزة التلفزيون الملون والراديو وأجهزة التسجيل والثلاجات والغسالات، ورغم أن هذه الأجهزة احتوت على مكونات إلكترونية، لكنها في الأساس كانت آلات ميكانيكية، ولم يواكبوا الثورة الرقمية التي غيرت العالم، وكان مقرها في الحقيقة الولايات المتحدة والصين.
يقول فاسول: “جهاز ووكمان سوني مثال جيد على الأمر، لم يكن به أي برمجيات وكان مبنيًا بصورة كلية على الأجزاء الميكانيكية. الآن يتعين عليك أن يكون لديك شركة مبنية على البرمجيات وهو أمر مختلف تمامًا عن الإلكترونيات، لأن الثورة الرقمية لم تغير طريقة عمل الأجهزة فقط، بل أحدثت تغييرًا كبيرًا في صناعتها”.
بالإضافة إلى ذلك، فأن نموذج التصنيع نفسه تغيّر بشكل كبير، حيث نقلت الدول الكبرى مصانعها إلى دول ذات تكاليف إنتاج منخفضة مثل الصين والهند، ما أدى إلى خفض كبير في ربحية الشركات اليابانية، التي مازالت تعتمد على العامل الياباني صاحب الأجر الكبير، بحسب الخبير الاقتصادي.
توشيبا ليست وحدها
الخبير الاقتصادي يضيف: “انظر إلى الآيبود والآيفون على سبيل المثال، يصل هامش الربحية فيه لشركة آبل إلى 50 في المائة على الأقل، والناس يقولون إن الآيفون يصنع في الصين، لكن 3 في المائة فقط من أرباحه تبقى في الصين”.
رئيس شركة تكنولوجيا يابانية أخرى وهي “هيتاشي”، هيروكي ناكانيشي، يقول إنه عندما تولى زمام الأمور عام 2010، كانت الشركة التي أنشئت قبل قرن من الزمان، تتكبد خسائر فادحة، قبل أن يقرر القيام بأمر “غير ياباني” على الإطلاق، وإغلاق وبيع الأقسام الخاسرة في الشركة، والتي كانت معظمها تنتج أجهزة إلكترونية، ويضيف: “التكنولوجيا الرقمية غيّرت كل شيء”.
رئيس “هيتاشي” قال: “في صناعة التلفزيون يعني الأمر أن رقاقة واحدة تكفي لصورة واضحة ذات جودة عالية، والآن يمكن للجميع القيام بذلك، ما يعني أن اللاعبين الجدد مثل كوريا والصين لديهم الأفضلية عن اليابان”.
بعدها قرر رئيس الشركة إعادتها إلى عملها الأساسي في الصناعات الثقيلة مثل توربينات الغاز وتوربينات البخار والمحطات النووية لإنتاج الطاقة والقطارات فائقة السرعة. 
بالعودة إلى الخبير الاقتصادي “فاسول” أكد أنه للمرة الثانية وكما حدث في الخمسينيات والستينيات يجب على الشركات اليابانية أن تتعلم من الولايات المتحدة، محذرًا أن الشركات اليابانية إذا لم تفعل، سينتظرها مستقبل “نوكيا” أو “بلاك بيري”، أو في سيناريو أسوأ قد ينتظرها مستقبل “إينرون”.
للتداول والاستثمار في البورصة المصرية اضغط هنا
تابعوا آخر أخبار البورصة والاقتصاد عبر قناتنا على تليجرام
ترشيحات
حصاد 2023.. القطاع العقاري المصري “يعاني” وتيسيرات الحكومة طوق النجاة
حصاد 2023.. هل رالي صعود أسعار الذهب في مصر مرشح للاستمرار؟
حصاد 2023.. فجوة سعر صرف الجنيه المصري تتفاقم وتوقعات بمزيد من الخفض
حصاد 2023.. هكذا نظرت المؤسسات الدولية لاقتصاد مصر!
حصاد 2023.. هل يتراجع التضخم في مصر خلال 2024؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط ليقدم لك تجربة تصفح أفضل. من خلال تصفح هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط.
0
مشترياتك
  • No products in the cart.